English Persian
به شمس توس خوش آمديد. / ثبت نام كنيد / ورود
    
 

فصول بديعة حول أسلوب الحياة الرضوي

فصول بديعة حول أسلوب الحياة الرضوي
لا ريب أن كل ما يستطيع أن يسلك بالإنسان مسلك السعادة و العافية في كل عصر و أوان ها هو ذا نعاينه في سيرة الأئمة المعصومين عليهم السلام و خاصة في حياة الإمام الرضا عليه السلام لأن سيرتهم عليهم السلام هي ترجمان نص أحيا إنسانية الإنسان أعني القرآن الذي أنزله الله تعالي لهداية أشرف خلائقه و سعادته؛ في هذا الإطار رأينا أن أسلوب الحياة الرضوي له جهات تطبيقية توثر أثرها علي عيشتنا اليوم فعالجنا بعض القضية في حوار مع حجة الإسلام و المسلمين الدكتور مهدي غلامعلي, من باحثي حقل الحديث و أعضاء الهيئة العلمية بجامعة القرآن و الحديث و مولف آثار منها "الإمام الرضا عليه السلام و الحياة" فما يلي هو تفصيل لذاك الحوار:

أرجوكم أن توضحوا الأجواء الكلية السائدة علي حياة الرضا عليه السلام و بساطة المعيشة في أسلوب حياته؛ كيف كانت تبدو هذه القضية في حياة حضرته عليه السلام؟
 إن بساطة المعيشة و بعده عن التكلف كانت من أبرز النقاط الموجودة في حياة ثامن الأئمة عليه السلام إلي حد  كَانَ جُلُوسُ الرِّضَا (عليه السلام) عَلَى حَصِيرٍ بِالصَّيْفِ وَ عَلَى مِسْحٍ فِي الشِّتَاءِ وَ لُبْسُهُ الْغَلِيظَ مِنَ الثِّيَابِ. ؛ فكان حياته عليه السلام علي مستوي فقراء المجتمع آنذاك علي الرغم من الأخبار التي توصف ظروف حضرته المادية بالخصوبة و اليسر و لكنه كان يراعي عليه السلام متعارف المجتمع و الأوساط من الناس. إن ظاهرة الإسراف من منظور الإمام الرضا عليه السلام هي أمر مذموم و المسرف مغضوب عند الله عز و جل؛ فنراه عليه السلام لما رأي يوما أنه أَكَلَ الْغِلْمَانُ فَاكِهَةً وَ لَمْ يَسْتَقْصُوا أَكْلَهَا وَ رَمَوْا بِهَا قَالَ لَهُمْ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) سُبْحَانَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمُ اسْتَغْنَيْتُمْ فَإِنَّ أُنَاساً لَمْ يَسْتَغْنُوا أَطْعِمُوهُ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.

إن منظر الرضا عليه السلام إلي الحرص في تجميع المال يحل المسائل التي ترتبط بالمساعي الباطلة لتحصيل الترف و البعد عن البساطة في العيش لأنه يقول في كلام: " لا يجتمع المال الا بخمس خصال: بخل شديد و أمل طويل، و حرص غالب، و قطيعة رحم، و إيثار الدنيا على الاخرة
لكن هذه البساطة في الحياة لا يعني أن حضرته عليه السلام لم يكن يعتني بظاهره خاصة حين حضوره بين الأنام بل كان "إِذَا بَرَزَ لِلنَّاسِ تَزَيَّنَ لَهُم".
 إن إحدي المسائل التي تشغل بال المجتمع اليوم و تؤدي غالبا إلي مشكلات بين الأولاد و الوالدين هي كيفية سلوكهم مع الآخر. هل يوجد في سيرة الإمام الرضا عليه السلام تدبير لحل هذه المشكلة و هل من الممكن أن يقتدي بحضرته في طريقة الإرتباط مع الأولاد؟
إن تكريم الأولاد له مكانة خاصة في سيرته عليه السلام؛ فلنلتفت أولا إلي أن الكنية بين الأعراب هي من علامات الإحترام لمن يخاطب بها و ثم نري في خبر أن الرضا عليه السلام لم يكن يخاطب ابنه بدون ذكر كنيته ابدا؛ فعلي سبيل المثال كان يقول: "أبو جعفر" بعث إلي رسالة أو كتبت إلي "أبو جعفر" كيت و ذيت.
هذا التكريم و إحترام الأولاد _و خاصة فيما يرتبط بالأطفال_ لم يكن متعارفا بين العرب آنذاك لكن الإمام الرضا عليه السلام كان يخاطب إبنه في غاية الإكرام و التبجيل. و اللافت للنظر هو أن الرضا عليه السلام كان يحترم ابنه هذا الإحترام في سنين طفوليته
و نري أمثال هذا السلوك في سيرة الإمام موسي الكاظم عليه السلام فقد كان يخاطب إبنه الرضا عليه السلام في خطابه بكنيته "ابوالحسن" و لم يكن يسمي حضرته حتي في غيبته بل كان يشير اليه بلقبه "الرضا" مما يكشف عن غاية الإحترام و التكريم.
علاوة علي ذلك, نجد أن الإمام الرضا عليه السلام كان ينهي الوالدين عن الضرب و العقوبة الجسدية و بدلا منها كان يوصي بهجر الأولاد هجرا قصيرا يسيرا.
إن تشجيع الأطفال للأعمال الحسنة هو مما تؤكد عليه السيرة الرضوية بحيث يقول حضرته عليه السلام: مر الصبي فليتصدق بيده بالكسرة و القبضة و الشيء و إن قلّ فإن كلّ شيء يراد به الله و إن قلّ بعد أن تصدق النية فيه عظيم.
 
أرجوكم أن تقدموا توضيحات حول تردده عليه السلام بين الناس و آداب إستضافته و العبرة الكامنة في ذلك السلوك لأبناء اليوم.
إن إكرام الضيوف له مكانة خاصة في السيرة الرضوية فقد نقل حكايات عديدة حول هذه القضية و التي نستطيع أن نقتبس منها و ننتفع بها اليوم في سبيل تحسين أساليب حياتنا. و ورد في عيون أخبار الرضا عليه السلام بأنه دار عنده حديث حول آداب الإستضافة و الضيافة فحكي حضرته عليه السلام حكاية عن أجداده عن أميرالمؤمنين عليه السلام و قال: أَنَّهُ دَعَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) قَدْ أَجَبْتُكَ عَلَى أَنْ تَضْمَنَ لِي ثَلَاثَ خِصَالٍ قَالَ وَ مَا هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَا تُدْخِلْ عَلَيَّ شَيْئاً مِنْ خَارِجٍ وَ لَا تَدَّخِرْ عَنِّي شَيْئاً فِي الْبَيْتِ وَ لَا تُجْحِفْ بِالْعِيَالِ قَالَ ذَاكَ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَجَابَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام). هذه الرواية التي رواها الإمام الرضا عليه السلام حول آداب الإستضافة تصور منظرا رائعا لطيفا عن هذه السنة المرضية. و كان من دأبه ايضا أن يمشي مع ضيوفه و يرافقهم و كان يقول الرضا عليه السلام نقلا عن رسول الله صلي الله عليه و آله: مِنْ حَقِّ الضَّيْفِ أَنْ تَمْشِيَ مَعَهُ فَتُخْرِجَهُ مِنْ حَرِيمِكَ إِلَى الْبَابِ.
 
كيف كان تعامل حضرته عليه السلام مع الآخرين و ما هو الأسلوب الذي كان يخططه كمنهج للحياة؟
إن سلوك الرضا عليه السلام كان مظهرا حقيقيا للخلق النبوي العظيم و قدوة لكل من يبحث عن الأخلاق الحسنة. ورد في تعبير عن إبراهيم بن العباس أنه قال: "مَا رَأَيْتُ وَ لَا سَمِعْتُ بِأَحَدٍ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا وَ شَاهَدْتُ مِنْهُ مَا لَمْ أُشَاهِدْ مِنْ أَحَدٍ و مَا رَأَيْتُهُ جَفَا أَحَداً بِكَلَامِهِ وَ لَا رَأَيْتُهُ قَطَعَ عَلَى أَحَدٍ كَلَامَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ وَ مَا رَدَّ أَحَداً عَنْ حَاجَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا وَ لَا مَدَّ رِجْلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ قَطُّ وَ لَا رَأَيْتُهُ يَشْتِمُ أَحَداً مِنْ مَوَالِيهِ وَ مَمَالِيكِهِ وَ مَا رَأَيْتُهُ تَفَلَ وَ لَا رَأَيْتُهُ يُقَهْقِهُ فِي ضَحِكِهِ بَلْ كَانَ ضَحِكُهُ التَّبَسُّمَ وَ كَانَ إِذَا خَلَا وَ نُصِبَتْ مَائِدَتُهُ أَجْلَسَ عَلَى مَائِدَتِهِ مَوَالِيَهُ وَ مَمَالِيكَهُ حَتَّى الْبَوَّابَ وَ السَّائِسَ َ وَ كَانَ قَلِيلَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ كَثِيرَ السَّهَرِ يُحْيِي أَكْثَرَ لَيَالِيهِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى الصُّبْحِ وَ كَانَ كَثِيرَ الصَّوْمِ وَ لَا يَفُوتُهُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ وَ يَقُولُ ذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ وَ كَانَ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ وَ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَ أَكْثَرُ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْهُ فِي اللَّيَالِي الْمُظْلِمَةِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَأَى مِثْلَهُ فِي فَضْلِهِ فَلَا تُصَدِّقُوه‏".
نظرا لدخوله في أمر ولاية العهد و نصبه كولي العهد, كيف كان سلوكه مع الفقراء و المساكين؟ و  كيف كان يتعامل مع ضعفاء المجتمع و ذوي الحاجات؟
إن بعض المسلمين في تلك الأزمنة كانوا يستعملون التعصب و الإنحياز في تعاملاتهم مع الآخرين؛ علي سبيل المثال, كانوا يحترمون مخاطبهم إن كان من الأثرياء و الموسرين و لا يلتفتون إليه إن كان من الفقراء و المعسرين. فثقل تحمل هذه الأوضاع المؤلمة للمساكين و لما اطلع حضرته عليه السلام علي هذا الأمر قال: " مَنْ‏ لَقِيَ‏ فَقِيراً مُسْلِماً فَسَلَّمَ عَلَيْهِ خِلَافَ سَلَامِهِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ هُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ".
إن مثل هذا الكلام من حضرته عليه السلام كان كمحرك مؤثر لذاك المجتمع إذ غضب الإله هو ذاك العذاب المؤلم الذي يخافه الناس. و  كذلك كان يؤكد عليه السلام علي مساعدة الفقراء و الإنفاق إليهم فقد ورد أنه دَخَلَ عَلَيْهِ مَوْلًى لَهُ فَقَالَ لَهُ هَلْ أَنْفَقْتَ‏ الْيَوْمَ شَيْئاً قَالَ لَا وَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) فَمِنْ أَيْنَ يُخْلِفُ اللَّهُ عَلَيْنَا أَنْفِقْ وَ لَوْ دِرْهَماً وَاحِدا.

و الكلام الأخير
فعلي نحو الإجمال, إن حياة رسول الله صلي الله عليه و آله و الأئمة المعصومين عليهم السلام لها مقدرة علي أن تتجسد كأحسن نموذج سلوكي أمام من يشتاق إلي تغيير أساليب حياته. فمن أراد أن يجعل حياته حياة إلهية أو يختار أحسن المسالك فمن الأجدر أن يكون خبيرا بأسلوب حياة المعصومين عليهم السلام. هناك في حياة الإمام الثامن و من قبله من سائر الأئمة العصومين عليهم السلام مفتاحان رئيسيان للتأكد من صحة أساليب حياتنا الجارية. المفتاح الأول هو تحصيل الرضاية الإلهية؛ أي نقوم بتقدير علاقة كل ما نريد إنجازه و تنفيذه بمقياس الرضاية الإلهية. فإن كان الله راضيا به فهو الحسن و إلا فلا. المفتاح الثاني هو إتباع السنة النبوية. إن المحسنات الأخلاقية لا تندرس بمرور الأزمنة. كان الكذب قبيحا قبل ألف عام و سيبقي قبيحا و لو بعد ألف عام و كانت العدالة حسنة ما زالت و لا تزال. هذه هي المحكمات و لا تتغير أبدا فينبغي أن نقتبس الأصول الأخلاقية من الرسول صلي الله عليه و آله و أهل بيته عليهم السلام فنستضيء بها.


Apr 19, 2015 22:00
2019 Shamstoos.ir جميع الحقوق محفوظة.