تأسّفَت جارتي لمّا رأت زَوَري
و عَدّت الشّيبَ ذنباً غير مُغتَفرِ!
ترجو الصّبا بعد ما شابَت ذوائبُها
و قد جَرَت طَلَقاً في حَلبَةٍ الكِبَرِ
أجارتي! إنّ شيبَ الرّاس نَفّلني
ذِكرَ الغَواني، و أرضاني مِن القَدَرِ
لو كنتُ أركَنُ للدّنيا و زينتِها
إذَنْ بَكيتُ على الماضينَ مِن نَفَري
أخنى الزّمانُ على أهلي فصدّعَهُم
تَصَدّعَ الشّعبِ لاقى صدمةَ الحَجَرِ
بعضٌ أقام، و بعضٌ قد أهابَ بهِ
داعي المنيّة، و الباقي على الأثرِ!
أمّا المقيمُ فأخشى أن يفرّقني
و لست أوبةَ من ولّى بمنتظرِ
أصحبتُ أُخبرُ عن أهلي و عن وَلَدي
كحالمٍ قَصّ رؤيا بعد مُدّكَرِ
لولا تَشاغُلُ نفسي بالأُلي سلَفوا
مِن أهلِ بيتِ رسولِ اللّه لم أقَرِ
و في مَواليكَ للمحزونِ مَشغَلَةٌ
مِن أن تبيتَ لمفقودٍ على أثرِ
كم مِن ذِراعٍ لهم بالطفّ بائنةٍ
و عارِضٍ مِن صعيد التّربِ مُنعَفِرِ
أنسى الحسينَ و مَسراهم لمقتلهِ
و هم يقولونَ : هذا سيّد البشرِ؟!
يا أمّةَ السوءِ ما جازَيتِ أحمدَ عن
حُسن البلاء على التنزيل و السور؟!
خلّفتموهُ على الأبناء حين مضى
خلاقةَ الذئب في أبقار ذي بَقَرِ
و ليس حيّ من الأحياء نعلمُهُ
من ذي يَمانٍ و من بَكرٍ و من مُضَرِ
إلّا و هم شركاءٌ في دمائهُمُ
كما تشاركَ أيسارٌ على جُرُزِ
قَتلاً و أسراً و تحريقاً و منهبةً
فِعلَ الغُزاةِ بأرض الرومِ و الخَزَرِ
أرى أُميّةَ معذورين إن قَتَلوا
و لا أرى لبني العبّاس من عُذُرِ
أبناءُ حربٍ و مروانٍ و أسرتُهُم
بنو مُعيَطٍ وُلاةُ الحقدِ و الوَغَرِ
قومٌ قتلتُم على الاسلامِ أوّلَهُم
حتّى اذا استمكنوا جازوا على الكُفُرِ
أربِعْ بطوسٍ على قبرِ الزكيّ بها
إن كنتَ تَربَعُ مِن دِينٍ على وَطَرِ
قبرانِ في طوسَ : خيرُ الناس كلّهُمُ
و قبرُ شرّهُمُ.. هذا من العِبَرِ!
ما ينفع الرِجسَ مِن قُربِ الزكىّ، و لا
على الزكيّ بقربِ الرجس مِن ضررِ
هيهاتَ كلّ امرئٍ رهنٌ بما كسبت
له يداهُ، فخُذ ما شئتَ أو فَذَرِ
***
يا حسرةً تتردّدْ
و عبرةً ليس تنفد
على عليّ بن موسى
بنِ جعفرِ بنِ محمّدْ
قضى غريباً بطوسٍ
مثلَ الحُسامِ المُجرّدْ
***
ألا ما لعيني بالدموع استهلّتِ
و لو فقدت ماء الشؤون لَقرّتِ؟!
على مَن بَكتهُ الأرض و استرجَعَت لَهُ
رؤوسُ الجبالِ الشامخاتِ و ذَلّتِ
و قد أعوَلَت تبكي السّماءُ لِفقدِهِ
و أنجُمُها ناحَت عليهِ و كَلّتِ
رُزِينا رضيّ اللّهِ سبطَ نبيّنا
فأخلَفَتِ الدنيا له و تَوَلّتِ
فنحن عليه اليومَ أجدَرُ بالبُكا
لِمرزئةٍ عزّت علينا و جَلّتِ
و ما خيرُ دنيا بعد آل محمّدٍ
ألا لا نُبالِيها اذا ما اضمَحَلّتِ
تَجَلّت مُصيباتُ الزّمانِ، و لا أرى
مُصيبتَنا بالمصطفَينِ تَجَلّتِ
***
على الكُرهِ ما فارقتُ أحمدَ و انطوى
عليه بناءٌ جَندَلٌ و رَزينُ
و أسكنتُه بيتاً خسيساً مَتاعُهُ
و إنّي على رغمي به لَضنينُ
و لولا التأسى بالنبيّ و أهلهِ
لَأسبِلَ من عيني عليه شُؤونُ
هو النفس إلّا أنّ ال محمّدً
لهم دون نفسي في الفؤاد كمينُ
أضرّ بهم إرثُ النبيّ فاصبحوا
يساهم فيه مِيتةٌ و مَنونُ
دعتهم ذئاب من أُميّةَ، و انتحت
عليهم دِراكاً أزمةٌ و سُنونُ
و عاثت بنو العبّاس في الدّين عَيثَةً
تَحكّمَ فيه ظالمٌ و ظَنينُ
و سَمّوا رشيداً ليس فيهم لرشدِهِ
و ها ذاك مأمون و ذاك أمينُ
فما قُبِلت بالرشد منهم رعايةٌ
و لا لوليّ بالأمانةِ دِينُ
رشيدهُمُ عاوٍ و طفلاهُ بعدَهُ
بهذا رَزايا دون ذاك مُجونُ
ألا أيّها القبرُ الغريبُ محلّهُ
بطوسٍ.. عليك السارياتُ هُتونُ
شَككتُ فما أدري أمُسْقىً بشَربةٍ
فابكيكَ أم رَيبُ الردى فيَهونُ؟!
و أيّهما ما قلتَ، إن قلتَ شَربةٌ
و إن قلتَ موتٌ إنّه لَقمينُ
أيا عَجَبا منهم يسمّونكَ الرضا
و يَلقاك منهم كَلْحةٌ و غُضونُ!
أتعجَبُ للأجلافِ أن يَتَحيّفوا
معالمَ دين اللّه و هو مُبين؟!
لقد سَبَقتْ فيهم بفضلك آيةٌ
لديّ، و لكن ما هناك يقينُ!
دعبل بن عليّ الخزاعيّ
|
|
|
|